كونفوشيوس

(5)
كونفوشيوس (551 ق. م ـــ 479 ق. م )

هو أول فيلسوف صيني يفلح في إقامة مذهب يضمنه كل الأفكار الصينية عن السلوك الاجتماعي والأخلاقي. ففلسفته قائمة على القيم الأخلاقية الشخصية وعلى أن تكون هنالك حكومة تخدم الشعب تطبيقاً لمثل أخلاق أعلى. وقد ظلت هذه الأفكار تتحكم في سلوك الناس أكثر من ألف سنة .
ولد كونفوشيوس سنة 551 في ولاية لو في شمال الصين. مات أبوه وهو طفل. فعاش مع أمه في فقر شديد. وعندما كبر عمل موظفاً في الحكومة. ثم اعتزل العمل الحكومي وبعدها أمضى ستة عشر عاما من عمره يعظ الناس متنقلا من مدينة إلى مدينة. وقد التف حوله عدد كبير من الناس، ولما بلغ الخمسين عاد إلى العمل في الحكومة. ولكن استطاع بعض الحاقدين عليه أن يطردوه من الحكومة، فترك لهم البلاد كلها. وأمضى بعد ذلك ثلاثة عشر عاماً مبشراً متجولاً. وثم عاد ليقيم في بلدته خمس سنوات. هي التي بقيت له من العمر. وقد توفي سنة 479 ق. م.


وكثيراً ما وصف كونفوشيوس بأنه أحد مؤسسي الديانات الكبرى، وهذا تعبير غير دقيق فمذهبه ليس ديناً. فهو لا يتحدث عن الله أو السماوات. وإنما مذهبه: هو طريقة في الحياة الخاصة والسلوك الاجتماعي والسياسي. ومذهبه يقوم على الحب ـــ حب الناس وحسن معاملتهم والرقة في الحديث والأدب في الخطاب. ونظافة اليد واللسان.
ويقوم مذهبه على احترام الأكبر سناً والأكبر مقاماً، وعلى تقديس الأسرة وعلى طاعة الصغير للكبير وطاعة المرأة لزوجها. ولكنه في نفس الوقت يكره الطغيان والاستبداد.
وهو يؤمن بأن الحكومة إنما أنشئت لخدمة الشعب وليس العكس. وأن الحاكم يجب أن تكون عنده قيم أخلاقية ومثل عليا. ومن الحكم التي اتخذها كونفوشيوس قاعدة لسلوكه تلك الحكمة القديمة التي تقول: (( أحب لغيرك ما تحبه لنفسك )).
وكان كونفوشيوس محافظاً في نظرته إلى الحياة فهو يرى أن العصر الذهبي للإنسانية كان وراءها ــــ أي كان في الماضي.
وهو لذلك كان يحن إلى الماضي ويدعو الناس إلى الحياة فيه.. ولكن الحكام على زمانه لم يكونوا من رأيه ولذلك لقي بعض المعارضة. وقد اشتدت هذه المعارضة بعد وفاته ببضع مئات من السنين، عندما ولى الصين ملوك أحرقوا كتبه وحرموا تعاليمه.. ورأوا فيها نكسة مستمرة. لأن الشعوب يجب أن تنظر أمامها. بينما هو يدعوا الناس إلى النظر إلى الوراء.. ولكن ما لبثت تعاليم كونفوشيوس أن عادت أقوى مما كانت ونتشر تلاميذه وكهنته في كل مكان.. واستمرت فلسفة كونفوشيوس تتحكم في الحياة الصينية قرابة عشرين قرنا ــــ أي من القرن الأول قبل الميلاد حتى نهاية القرن التاسع عشر بعد الميلاد.
أما إيمان أهل الصين بفلسفة كونقوشيوس فيعود إلى سببين: أولا أنه كان صادقاً مخلصاً. لا شك في ذلك. ثانياً أنه شخص معقول ومعتدل وعملي. وهذا يتفق تماماً مع المزاج الصيني. بل هذا هو السبب الأكبر في انتشار فلسفته في الصين. وهو بذلك كان قريباً منهم. فلم يطلب إليهم أن يغيروا حياتهم أو يثوروا عليها. وإنما هو أكد لهم كل ما يؤمنون به فوجدوا أنفسهم في تعالمه. ولذلك ظلت فلسفة كونفوشيوس صينية. ولم تتجاوزها إلا إلى اليابان وكوريا.
ولكن هذه الفلسفة قد انحسرت تماماً عن الصين. بعد أن تحولت إلى الشيوعية واتجهت الصين إلى المستقبل وانتزعت نفسها من هذه الديانة وذلك بالبعد عن الماضي مسالمة الناس في الداخل والخارج. صحيح أن فلسفة كونفوشيوس للصين سلاماً وأمناً داخلياً أكثر من عشرين قرناً هي التي حقت.
ولكن نحن لا تستبعد بعد خمسين أو مائة سنة أن يظهر فيلسوف صيني جديد يقوم بالتوفيق التام بين تعاليم كونفوشيرس وماوتسي تونج وكلاهما صيني مائة في المائة!